اليمن تعيش في بحر الأغاثات الفاسدة
لم يشفع لليمنيين ضنك العيش الذي بات لسان حالهم بعد أربعِ سنوات عجاف تمر بها بلادهم جراء الحرب والوضع الاقتصادي المتدهور، ليعاني اليمنيين أزمة انسانية أصبح معها أكثر من ثلثي السكان بحاجة ملحة إلى مساعدات عاجلة لإنقاذ من الموت جوعًا ومرضًا. زاد من معاناتهم وصول المساعدات الإغاثية التي تتولاها منظمات دولية، بعضها تابع للأمم المتحدة، فاسدة أو منتهية الصلاحية، لتضاعف من معاناتهم مع الحرب والمرض والجوع.
منذ أربع سنوات يعيش اليمنيين حرب لم تتوقف ولا يبدو أنها في طريقها إلى ذلك قريبًا. وحسب تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش في 2018، فإن أكثر من 8 ملايين شخص في اليمن يواجهون شبح المجاعة، بالإضافة لنحو مليون آخرين يعانون من سوء التغذية الشديد بسبب النزاع المسلح في البلاد. واتهم التقرير جميع الأطراف المتحاربة، جماعة الحوثيين من جانب، والقوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي علي الجانب الآخر، بعرقلة وصول المساعدات لمستحقيها، عبر فرض قيود على المنافذ الحدودية وإغلاق الطرق، كما تعرض المنظمات العاملة في اليمن والعاملين فيها للقتل والاختطاف.
ومع تفاقم الوضع الأمني بات نحو ثلثي سكان اليمن بحاجة ملحة إلى مساعدات عاجلة لإنقاذ من الموت جوعًا ومرضًا، وهو ما تولت مسؤوليته منظمات الإغاثة الدولية والمحلية، لكننا حصلنا على صور وتقارير تثبت دخول مساعدات إنسانية للبلاد عبر منظمات دولية ومحلية، منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات، بغرض توزيعها على المستفيدين. وتثبت هذه التقارير الصادرة عن هيئة المواصفات والمقاييس اليمنية في صنعاء، وصول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية مقدمة من برنامج الغذاء العالمي، القمح على وجه الخصوص الغير مطابقة للمواصفات وغير صالحة للاستخدام الآدمي، بحسب فحوصات مخبرية.
تدفقت على اليمن مساعدات إنسانية كبيرة من بداية الحرب في العام 2015 حتى اليوم، عبر ميناء الحديدة على الساحل الغربي لليمن، والواقع تحت سيطرة الحوثيين، وميناء عدن التابع للحكومة الشرعية، وكان آخرها حصول اليمن على أكثر من ملياري دولار في مؤتمر المانحين الذي عقد في السويد نهاية فبراير 2019، لمواجهة الاحتياجات الإنسانية الملحة والمتزايدة في المناطق المنكوبة.
وعبر معلومات حصلنا عليها من مركز أريج للأبحاث التابع لشبكة أريج للصحافة الاستقصائية؛ فإن إجمالي المساعدات التي دخلت اليمن تجاوزت أكثر ملياري ونصف المليار دولار في العام 2018 من خلال مجموعة من الدول في مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بزيادة مليار دولار عن العام 2017، وعبر منظمات الأمم المتحدة المختلفة تقدم أغلب هذه المساعدات، أو بطريق مباشر عبر المانحين أنفسهم، كما تفعل دولة الإمارات عبر الهلال الأحمر الإماراتي، ومركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية التابع للمملكة العربية السعودية.
خلّفَ الوضع في اليمن أكثر من 3 ملايين نازح، وفقًا لتقارير مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم، والبحث عن ملاذ آمن، والاعتماد على ما تقدمه لهم المنظمات الدولية والمحلية .
"تلجأ بعض المنظمات الدولية في اليمن إلى توزيع المساعدات منتهية الصلاحية وغير الصالحة للاستخدام، مع علمهم المسبق أنها لا تصلح، يقول ص. ع، أحد المتطوعين في منظمة إغاثة محلية بمحافظة صنعاء، بعد أن تعهدنا له بعدم الكشف عن شخصيته، أن هناك مساعدات تابعة لمنظمة الاغاثة الإسلامية وصلت إلى إحدى المخازن وقد بدأت تتعفن وبدلاً من أن يتم اتلافها كانت المنظمة المحلية وبعلم من منظمة الاغاثة الاسلامية تتهيأ لتوزيعها على المواطنين في منطقة خولان جنوب صنعاء و منطقة بني الحارث احدى مديريات العاصمة صنعاء.
في العام 2017 أرسلت جمعية حماية المستهلك اليمنية رسالة إلى ممثل برنامج الغذاء العالمي، تتضمن استفسارًا عن ضبط باخرة تحمل اسم "إمبريال" مليئة بالقمح الفاسد والمتعفن كانت على وشك التفريغ في ميناء عدن لتوزيعها على المحافظات الخاضعة لسيطرة الشرعية والحوثيين، كما وجهت جمعية المستهلك العالمية رسالة أخرى إلى البرنامج تتضمن استفسارات عن شرائهم مساعدات منتهية الصلاحية، كما هو موضح في الرسالة.
وكان رد برنامج الغذاء العالمي الذي جاء بعد 11 يومًا من رسالة الجمعية العالمية، أنهم حريصون على تقديم مساعدات وفقًا لمواصفات قياسية، وبأعلى جودة، وأن حالات رفض دخول الأغذية التابعة للبرنامج متعلقة بتضرر العبوات خلال النقل. وتجاهل البرنامج الرد على رسالة جمعية حماية المستهلك اليمنية، حسب مديرها الدكتور فضل منصور، الذي أكد كذلك تجاهل استفسارات الجمعية اليمنية في بيان صحفي أصدره برنامج الغذاء العالمي لاحقًا بالتفاصيل ذاتها الذي ذكرت في رسالته لجمعية المستهلك العالمية.
لا يقتصر الأمر على المواد الغذائية، بل تجاوز ذلك ليشمل أدوية ومستلزمات صحية، وبسبب إغلاق المنافذ البحرية والجوية التي كانت بوابة عبور الأدوية لليمن، أصبح الاعتماد أكثر على ما تقدمه المنظمات الدولية من أدوية لتقديمها لمن يحتاجها. وخلال حديثنا مع الدكتورة مكية الاسلمي، مدير المركز الصحي في مديرية أسلم، قالت "إنه في بداية العام 2019 وزع برنامج الغذاء العالمي خليط صويا مخصص للأمهات الحوامل والمرضعات رغم انتهاء صلاحيته. وجدنا في الخليط مسوس ولونه ورائحته وطعمه كانا متغيرين، إضافة إلى توزيع فاصوليا مسوسة أو فاسدة وذات رائحة كريهة، وكأنها ناتج شحوم."
في مديرية عبس بمحافظة حجة التقينا علي موسى، وهو أب لثلاثة أطفال، ليحكي ما حدث معه حيث يقول: "في مطلع نوفمبر 2018 قام فريق ميداني لـ منظمة لإنقاذ الطفل Save The Children البريطانية بجولة ميدانية وقاموا بتوزيع كمية كبيرة من دواء Plumpy doz الخاص بعلاج سوء التغذية عن الأطفال، وحصل كل طفل من المنطقة على ثلاثة أو أربعة عبوات من ذلك الدواء، راجعت الأدوية لأفاجأ بأنه متبقي على انتهاء صلاحيتها ثلاثة أيام فقط، وأنا أعلم بأن الأدوية لا توزع أم يتم تداولها إذا ما كان تاريخ انتهاء صلاحيتها قريب الانتهاء، وأنا اتحدث هنا عن أشهر وليس أيام معدودة، خاصة وإن كانت مخصصة للعمل الإغاثي في بلد مثل اليمن الذي يعاني من نقص التجهيزات الطبية من الأساس، ما يصعب معه علاج آثار تناول الأدوية حال كانت فاسدة أو منتهية الصلاحية".
وسبق للهيئة العليا للأدوية في صنعاء أن قامت بتحريز وضبط مجموعة من الشحنات الطبية المقدمة من العديد من المنظمات الدولية من ضمنها Save The Children في أكتوبر من العام 2018 كانت على وشك التوزيع بالرغم من عدم مطابقتها للشروط التي حددتها وزارة الصحة.
تكشف وثيقة رسمية حصلنا عليه، وتنشر لأول مرة، عن إتلاف أدوية منتهية الصلاحية للمنظمة ذاتها كانت في طريقها للتوزيع على مجموعة من المستفيدين. ووفقًا للوثيقة التي تتضمن محضر إتلاف وقائمة الأدوية غير الصالحة للاستخدام، فإن عملية الإتلاف تمت بحضور مندوب عن المنظمة في صنعاء. وتحدد وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية مجموعة من الشروط لتقديم المساعدات الطبية من قبل المنظمات الدولية والدول كمساعدات إنسانية، ويأتي الشرط الخاص بتاريخ الانتهاء في مقدمتها حيث يجب ألا يتجاوز ثُلثي المدة من تاريخ إنتاجه.
