بسبب فوكلاند.. ترامب يلمح بمراجعة الدعم الأمريكي لبريطانيا
تراجعت نبرة اليقين بشأن الموقف الأمريكي من سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند، بعدما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنه يعيد النظر في موقف واشنطن من النزاع الممتد منذ عقود بين بريطانيا والأرجنتين، في خطوة قد تضيف توترًا جديدًا إلى العلاقات بين واشنطن ولندن، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الأمريكية على حلفائها لزيادة الإنفاق الدفاعي والمساهمات في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وأوضح ترامب، في تصريحات للصحفيين داخل البيت الأبيض، أنه "يراجع دائمًا كل موقف"، وذلك ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت إدارته تعيد تقييم موقف الولايات المتحدة من جزر فوكلاند الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، والتي تطالب الأرجنتين بالسيادة عليها، بينما تديرها بريطانيا منذ عقود، في الوقت نفسه لم تصدر الحكومة البريطانية تعليقًا رسميًا على تصريحات الرئيس الأمريكي، بحسب صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
وكشفت تصريحات ترامب عن احتمال استخدام واشنطن ملف جزر فوكلاند كورقة ضغط على الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة آندي بيرنام، لدفعها إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والوفاء بالتزاماتها داخل حلف الناتو، في الأثناء جاءت التصريحات بعد أيام من تحذير مسؤول أمريكي لم يكشف عن هويته من إمكانية تغيير موقف واشنطن بشأن الجزر إذا لم تلتزم بريطانيا بمستويات الإنفاق الدفاعي التي تعهدت بها.
وربطت تقارير بريطانية بين هذا التهديد وبين استعداد وزير الخزانة البريطاني جون هيلي للتراجع عن تعهُّد سابق بإنفاق 3% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2030، وهو التعهُّد الذي قد يخضع للمراجعة عندما يقدم الوزير أول موازنة له في 28 أكتوبر المقبل، إضافة إلى ذلك حافظ ترامب خلال فترتي رئاسته على الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق العسكري، منتقدًا ما وصفه بـ"الاستفادة المجانية" من المظلة الأمنية الأمريكية.
وتزامنت هذه التطورات مع التزامات أوسع داخل الناتو لرفع الإنفاق على الدفاع والأمن، بعدما وافق أعضاء الحلف خلال قمة لاهاي، العام الماضي، على الوصول بالإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو ما وضع الحكومات الأوروبية أمام ضغوط متزايدة لزيادة موازناتها العسكرية، في الوقت نفسه برزت بريطانيا كواحدة من الدول التي تواجه اختبارًا سياسيًا واقتصاديًا بشأن كيفية تحقيق هذه الالتزامات.
واستعادت واشنطن رسميًا موقفًا محايدًا بشأن السيادة النهائية على جزر فوكلاند، لكنها اعترفت عمليًا بالإدارة البريطانية للجزر، التي كانت قد خضعت لنزاع عسكري مباشر بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982، عندما اجتاحت القوات الأرجنتينية الجزر قبل أن ترسل حكومة رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر قوة عسكرية استعادت السيطرة عليها بعد حرب استمرت عدة أشهر.
وأودت الحرب بحياة 649 عسكريًا أرجنتينيًا و255 عسكريًا بريطانيًا، قبل استسلام القوات الأرجنتينية في يونيو 1982، بينما أسهم الدعم الدبلوماسي القوي الذي قدمه الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريجان لبريطانيا في تعزيز العلاقات بين واشنطن ولندن، رغم أن الولايات المتحدة كانت في الوقت نفسه حليفة للحكومة العسكرية التي كانت تحكم الأرجنتين.
وأعادت تصريحات ترامب إلى الواجهة احتمال حدوث تحوُّل في الموقف الأمريكي من القضية، خصوصًا أن التكهنات بشأن مراجعة واشنطن لموقفها بدأت قبل أشهر، في الأثناء أشارت رسالة مُسرَّبة من وزارة الدفاع الأمريكية، في أبريل الماضي، إلى احتمال إعادة النظر في المطالبة البريطانية بالجزر؛ على خلفية عدم دعم لندن قرار ترامب خوض الحرب ضد إيران، وهو ما أظهر أن القضية قد تتداخل مع ملفات السياسة الخارجية والدفاعية الأخرى.
وحذر مراقبون من أن تغيير واشنطن لموقفها، حتى من دون اتخاذ خطوات عملية بشأن السيادة، قد يُمثّل ضربة سياسية ونفسية لبريطانيا؛ نظرًا إلى المكانة التي تحظى بها فوكلاند في الوعي السياسي البريطاني، إضافة إلى ارتباط القضية بإرث حرب عام 1982 وبالعلاقة التاريخية بين لندن وواشنطن.
وتعقدت الحسابات البريطانية أكثر مع تنامي العلاقات بين ترامب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أعلن مرارًا تمسك بلاده بمطالبتها بالسيادة على جزر فوكلاند، في الوقت نفسه عزز الرئيس الأمريكي علاقته ببوينس آيرس خلال السنوات الأخيرة، في إطار تقارب سياسي واقتصادي لافت بين إدارته وحكومة ميلي.
وقدم ترامب العام الماضي دعمًا ماليًا بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين لمساعدتها على مواجهة أزمتها المالية، وربط الحصول على التمويل بنتائج الانتخابات التشريعية اللاحقة، قبل أن يفوز حزب ميلي "لا ليبرتاد أفانزا" بالانتخابات، في خطوة عززت موقع الرئيس الأرجنتيني سياسيًا، إضافة إلى ذلك سمح ترامب لاحقًا باستيراد لحوم الأبقار الأرجنتينية في محاولة لخفض أسعار المواد الغذائية في السوق الأمريكية.
واستفاد ميلي من علاقته بترامب في تعزيز موقف بلاده بشأن فوكلاند، إذ يكرر المسؤولون الأرجنتينيون مطالبتهم بالسيادة على الجزر المعروفة في الأرجنتين باسم "مالفيناس"، رغم أن سكانها أكدوا في استفتاء عام 2013 رغبتهم في استمرار ارتباطها بالمملكة المتحدة، حيث صوتت الغالبية الساحقة من المشاركين لصالح البقاء تحت السيادة البريطانية.