القيادة الرئاسي اليمني ينهي سياسة الانتظار ويتجه إلى «الردع الاستباقي» ضد الحوثيين
يبدو أن مجلس القيادة الرئاسي اليمني يريد طي مرحلة طويلة من الانتظار في مواجهة الحوثيين، والانتقال إلى سياسة تقوم على الردع الاستباقي واستهداف مصادر التهديد، بعدما ظلت القوات الحكومية لسنوات تتعامل مع تصعيد الجماعة من موقع الدفاع ومحاولة احتواء تداعياته.
ففي اجتماع برئاسة رئيس المجلس رشاد العليمي، الثلاثاء، رفع المجلس الجاهزية العسكرية والأمنية والاستخباراتية إلى مستوياتها القصوى، مؤكداً استعداد القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية للتعامل مع أي تصعيد حوثي، ومشدداً على اتخاذ إجراءات استباقية ضد مصادر التهديد ومراكز القيادة والسيطرة والقدرات العسكرية المستخدمة في استهداف القوات والمدنيين والمنشآت الحيوية.
ولا تبدو هذه اللغة مجرد إعلان عسكري روتيني، بل تعكس تحولاً في طريقة تعاطي السلطة المعترف بها دولياً مع الصراع. فمجلس القيادة يريد القول إن أي هجوم جديد لن يُقابل فقط بالدفاع أو الاعتراض، وإنما برد يطال الأدوات التي تقف وراءه.
الأكثر أهمية في بيان المجلس هو استخدام مفهوم «الردع المتكامل»، بما يحمله من دلالة على توسيع المواجهة من الميدان العسكري إلى المجالات الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية.
ويقول المجلس إن العمليات التي نفذتها القوات الحكومية خلال الأسابيع الماضية أظهرت تطوراً في قدرتها على إفشال الهجمات الحوثية واستهداف قدرات الجماعة العسكرية. ومن وجهة نظر القيادة اليمنية، فإن هذه العمليات تستهدف تغيير معادلة ظلت قائمة طويلاً: الحوثيون يهاجمون، والقوات الحكومية ترد، بينما تبقى المبادرة في يد الجماعة.
ولهذا جاءت الرسالة الأبرز بأن «زمن استباحة المدن، واستهداف المدنيين والمنشآت الوطنية دون كلفة قد انتهى»، مع تحذير من أن أي تصعيد جديد ستكون له تبعات مباشرة على الجهات التي تنفذه.
والمغزى هنا أن الردع لا يقوم فقط على امتلاك القدرة العسكرية، بل على إقناع الطرف الآخر بأن استخدامها أصبح خياراً فعلياً وليس مجرد تهديد سياسي.
وتبدو المعادلة الجديدة أكثر وضوحاً عند الحديث عن استهداف مراكز القيادة والسيطرة والقدرات العسكرية. فهذا يعني أن الحكومة تريد الانتقال من التعامل مع نتائج الهجمات الحوثية إلى محاولة ضرب البنية التي تسمح للجماعة بتنفيذها.
وإذا تحولت هذه الرؤية إلى سياسة عملياتية مستمرة، فقد نشهد مرحلة أكثر تركيزاً على منشآت الإطلاق ومراكز القيادة وشبكات الإمداد والتهريب، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الهجمات بعد وقوعها.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى مرتبطاً بقدرة القوات الحكومية على الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة، وتنسيق التشكيلات العسكرية المختلفة، ومنع تحوّل التصعيد إلى حرب مفتوحة تستنزف المناطق الخاضعة للحكومة وتزيد معاناة السكان.
اللافت أن مجلس القيادة ربط رفع الجاهزية العسكرية بإجراءات اقتصادية وأمنية تستهدف مكافحة التهريب وتجفيف مصادر تمويل الحوثيين والجريمة المنظمة.
وهذا البعد قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل. فالجماعة لا تعتمد فقط على قدراتها العسكرية، وإنما تحتاج إلى شبكات مالية ولوجستية تسمح لها بالحفاظ على نفوذها وقدرتها على التجنيد والتسليح.
لذلك فإن تضييق قنوات التمويل والتهريب يمكن أن يصبح جزءاً من استراتيجية الردع، خصوصاً إذا نجحت الحكومة في تحويل الإجراءات الاقتصادية من قرارات متفرقة إلى سياسة متكاملة تستهدف مصادر تمويل الجماعة دون خنق الاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، يحرص المجلس على التأكيد أن الإجراءات الجديدة لن تستهدف المواطنين أو القطاع الخاص، وأنها ستراعي استمرار التحويلات المشروعة وإمدادات الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
وهذه نقطة شديدة الحساسية في بلد يعيش أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة، إذ إن أي إجراءات عقابية واسعة قد تنقلب على الحكومة نفسها إذا انعكست على حياة السكان.
ويحاول مجلس القيادة أيضاً إعادة تعريف الصراع سياسياً. فالتأكيد على أن المعركة تستهدف «مشروع الانقلاب والسلاح خارج مؤسسات الدولة»، وليس منطقة أو قبيلة أو مذهباً، يمثل محاولة لمنح المواجهة إطاراً وطنياً أوسع.
وتدرك الشرعية أن استعادة الدولة لا يمكن أن تقوم على مواجهة عسكرية فقط، وإنما تحتاج إلى خطاب قادر على طمأنة المجتمعات المحلية، ومنع تحويل الصراع إلى مواجهة مناطقية أو طائفية.
ولهذا تعهد المجلس بحماية حقوق المواطنين وممتلكاتهم ومنع أعمال الانتقام والفوضى والإقصاء. وهي رسالة موجهة إلى الداخل بقدر ما هي موجهة إلى الحوثيين، وتحديداً إلى المناطق التي قد تخشى من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى انفلات أمني أو عمليات انتقامية.
هل انتهى زمن الانتظار؟
قد يكون التحول الأبرز في موقف مجلس القيادة هو محاولة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المعركة.
فلسنوات، ظل الصراع اليمني محكوماً بمعادلة معقدة: لا حرب شاملة تنهي سيطرة الحوثيين، ولا تسوية سياسية قادرة على إنتاج دولة موحدة، بينما تتغير أولويات الأطراف الإقليمية والدولية وتتراكم الأزمات الاقتصادية.
أما اليوم، فإن رفع الجاهزية إلى أقصى المستويات والحديث عن إجراءات استباقية وتجفيف مصادر التمويل يوحيان بأن مجلس القيادة يريد استعادة زمام المبادرة، أو على الأقل منع الحوثيين من فرض إيقاع المواجهة وحدهم.
لكن اختبار هذه السياسة لن يكون في البيانات، وإنما في قدرتها على إنتاج ردع مستدام. فالحوثيون أثبتوا خلال سنوات الصراع قدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، كما أن استمرار الحرب يفرض كلفة كبيرة على الحكومة والمجتمع اليمني.
نقلًا عن:" العرب اللندنية"