وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تصاعد العنف.. احتجاجات باريس تعيد رسم خريطة المرشحين لرئاسة فرنسا
هددت أعمال النهب والشغب التي اجتاحت مناطق متفرقة من فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع نتيجة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، بإعادة تشكيل خريطة المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، بعدما تحولت الأزمة الأمنية إلى ساحة جديدة للصراع بين المرشحين، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تصاعد العنف وقدرة الحكومة على استعادة النظام العام.
واستغلت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان الاضطرابات لتقديم نفسها باعتبارها المرشحة الأقدر على فرض القانون واستعادة الاستقرار، بينما واجه زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون انتقادات بسبب موقف حزبه الداعم للاحتجاجات، في حين سعى مرشحا الوسط واليمين الوسطي إدوار فيليب ورافائيل جلوكسمان إلى استثمار الأزمة لتعزيز فرصهما الانتخابية والابتعاد عن الرئيس إيمانويل ماكرون، بحسب تحليل نشرته صحيفة "بوليتيكو" الأوروبية.
تعزيز موقع لوبان
عززت الاضطرابات موقع لوبان في السباق الرئاسي، بعدما تبنت خطابًا يركز على الأمن والنظام، وقدمت نفسها في كلمة متلفزة باعتبارها البديل القادر على تحقيق "فرنسا مستقرة"، بينما صعّد جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الذي تقوده، من لهجته تجاه أعمال النهب، مؤكدًا أن حزبه وحده قادر على استعادة النظام، ومحذرًا من أن أعمال السلب قد تمتد إلى المنازل.
وأقرت شخصيات سياسية منافسة بأن الأزمة قد تصب في مصلحة اليمين المتطرف، إذ اعتبرت ناتالي لوازو، النائبة في البرلمان الأوروبي عن تيار يمين الوسط، أن الاضطرابات تخدم هذا المعسكر، لكن استمرار الفوضى لفترة طويلة قد يتحول إلى عبء على لوبان وحزبها، خاصة مع المخاوف من أن يؤدي وصولها إلى السلطة إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية التي كشفت عنها الاحتجاجات.
وحذرت حسابات داخل المعسكر اليميني من أن اتساع الاضطرابات قد يدفع الناخبين إلى الابتعاد عن القوى المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية، والبحث عن شخصيات أكثر خبرة وقدرة على إدارة الأزمات، وهو احتمال يضع حملة لوبان أمام معادلة صعبة بين الاستفادة من تراجع ثقة الناخبين في الحكومة وتجنب تحميلها مسؤولية تفاقم الانقسام الداخلي.
مأزق اليسار
واجه ميلانشون موقفًا معقدًا، بعدما دعم حزبه "فرنسا الأبية" احتجاجات طلابية سبقت أعمال الشغب، وشارك سياسيون من اليسار الراديكالي في التحركات والاعتراضات على أداء الشرطة، الأمر الذي أتاح لمنافسيه اتهامه بتشجيع الغضب الذي انتهى إلى أعمال نهب وإحراق ممتلكات.
وسرعان ما حاول زعيم اليسار قلب الاتهامات على الحكومة، معتبرًا أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو هو من يؤجج الاضطراب من خلال اتهام جماعات متشددة بمحاولة تعطيل الانتخابات، لكن الأزمة قد تزيد من صعوبة توسيع قاعدته الانتخابية، خصوصًا أن استطلاعًا أجرته مؤسسة "كلوستر 17" لصالح "بوليتيكو" أشار إلى أنه من أكثر السياسيين الفرنسيين إثارة للرفض لدى الناخبين.
الوسط واستغلال الأزمة
وسعى رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب، المنتمي إلى يمين الوسط، إلى استغلال الأزمة لتجديد حملته الرئاسية، بعدما تراجعت مؤشرات تأييده خلال الأشهر الماضية، وعجز عن جذب اهتمام كافٍ في ظل المنافسة المتصاعدة، رغم اعتباره أحد أبرز مرشحي الوسط القادرين على منافسة اليمين المتطرف.
وانتقد فيليب ماكرون بعد خطاب الرئيس المتلفز يوم الأحد، الذي لم يتضمن إجراءات محددة لاحتواء الاضطرابات، قائلًا إنه كان يفضل إعلان قرارات ومبادرات لاستعادة النظام، ومؤكدًا أن البلاد تحتاج إلى قيادة حازمة، في موقف عكس محاولته النأي بنفسه عن أداء الرئيس الذي تولى رئاسة حكومته الأولى.
وفي المقابل، دخل النائب في البرلمان الأوروبي رافائيل جلوكسمان، مرشح يسار الوسط، الأزمة من موقع أكثر هجومية، بعدما فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي في وقت سابق من الشهر، وانتقد بشدة أعمال النهب واستهداف رموز الدولة، متهمًا ميلانشون بتوفير فرصة لصعود لوبان، التي وصفها بأنها المستفيد الأكبر من الفوضى.
وارتفعت مؤشرات التأييد لجلوكسمان إلى ما بين 15 و16.5% وفق استطلاع حديث لمؤسسة "إيلاب"، ليقترب من مستويات فيليب وميلانشون، لكن منافسين له شككوا في قدرته على مواصلة الصعود، معتبرين أن فرصه تعتمد أساسًا على استقطاب ناخبي اليسار، دون أن يضمن ذلك توسيع نفوذه خارج قاعدته السياسية.
أزمة ماكرون
وتعرض ماكرون لانتقادات واسعة بسبب خطابه الذي لم يتضمن إجراءات ملموسة لمواجهة العنف، بعدما اكتفى بالتأكيد أن من دمروا الممتلكات سيحاسبون، والدعوة إلى تقديم إجابات واضحة بشأن تحول الاحتجاجات إلى أعمال شغب، بينما أثار سفره إلى الشرق الأوسط يوم الاثنين انتقادات بشأن ابتعاده عن الأزمة الداخلية.
وأعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو فرض حظر تجول محلي وقيود على الحركة، إلى جانب حظر بعض التجمعات العامة، في محاولة لاحتواء الاضطرابات، لكن إعلان تنظيم احتجاجات جديدة السبت المقبل أثار مخاوف من تحول المواجهات إلى موجة احتجاجات ممتدة على غرار حركة "السترات الصفراء" التي شهدتها فرنسا عامي 2018 و2019.
وعكست الأزمة تراجع قدرة ماكرون على التأثير في المشهد السياسي خلال أشهره الأخيرة في السلطة، بينما أصبحت طريقة تعامل الحكومة مع أعمال الشغب عاملًا مباشرًا في حسابات المرشحين، إذ يسعى اليمين المتطرف إلى ترسيخ صورته كقوة لاستعادة النظام، ويحاول اليسار تجنب تحميله مسؤولية العنف، فيما يراهن الوسط على تقديم بديل عن الرئيس.