إيران بعد الحرب.. جدل متجدد بين مركزية القرار وانفتاح الحكم
أعاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فتح النقاش حول طبيعة إدارة الدولة الإيرانية، بانتقاده احتكار القرار من قبل عدد محدود من المسؤولين، مؤكداً أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبقى رهناً بحلقة ضيقة من المديرين وصناع القرار، وأن تقدم إيران يتطلب الاستفادة من الطاقات العلمية والكفاءات الوطنية في معالجة التحديات المتراكمة.
وقال بزشكيان أن إيران "تواجه تحديات عدة وأن الوضع حساس جداً"، وأشار في اجتماع مع وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا وعدد من نواب ومديري الوزارة، إلى الظروف المعقدة والمتعددة الأوجه التي تمر بها البلاد، قائلا "الضغوط والتحديات التي يواجهها المجتمع اليوم ليست بسيطة أو أحادية البعد، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تكون حلولها بسيطة. حل هذه المشكلات يتطلب وجهات نظر متعددة التخصصات، وأساليب مبتكرة، وحضورا نشطا للنخب والأكاديميين في ميادين صنع القرار والتنفيذ. نخب البلاد مسؤولة تجاه الظروف الراهنة ويجب عليهم أداء دورهم في تحسين وضع البلاد".
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها إيران خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة، وما رافقها من تغيرات في مراكز النفوذ داخل النظام السياسي والأمني. فقد دفعت ظروف الحرب والتهديدات الخارجية إلى تعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي زاد من نفوذ التيار المتشدد على حساب التيارات الأخرى، ورسّخ عملية صنع القرار داخل دوائر أكثر انغلاقاً.
وشدد بزشكيان، وفق بيان نشرته الرئاسة الإيرانية، على أن مجرد امتلاك المعرفة لا يكفي لحل مشكلات البلاد، مضيفا "ما يهم هو إعداد أساتذة وباحثين وخريجين لا يمتلكون المعرفة المتخصصة فحسب، بل يطورون أيضا المهارات والقدرات التنفيذية والمسؤولية الاجتماعية والإيمان بحل المشكلات. تحتاج البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نخب تضع معرفتها في خدمة حل مشكلات المجتمع".
وخلال سنوات طويلة، واجه النظام الإيراني انتقادات داخلية تتعلق بتمركز السلطات السياسية والأمنية والاقتصادية في أيدي مجموعة محدودة من الشخصيات والمؤسسات النافذة.
وتزايدت هذه الانتقادات مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والعقوبات الدولية والتحديات الأمنية، حيث رأى كثير من المراقبين أن محدودية المشاركة في صناعة القرار تقلل من قدرة الدولة على الاستفادة من الخبرات المتنوعة وتحد من فرص الإصلاح.
ومع اندلاع الحرب، برزت الأولويات الأمنية والعسكرية باعتبارها العامل الحاكم في رسم السياسات العامة، ما أدى إلى اتساع نفوذ الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية والعسكرية. وأصبحت القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية والدفاع تصاغ ضمن نطاق ضيق من مراكز القوة، في ظل الحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار ومواجهة التحديات الأمنية المتسارعة.
ويرى محللون أن هذه المركزية الشديدة قد تساعد على توحيد القرار في أوقات الأزمات، لكنها في المقابل قد تؤدي إلى إضعاف التنوع في الرؤى والحد من المشاركة السياسية، وهو ما ينعكس على قدرة الدولة على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي تواجهها البلاد. كما أن تركّز النفوذ في أيدي مجموعة محدودة يزيد من صعوبة إجراء إصلاحات هيكلية أو إدخال تغييرات جوهرية على آليات الحكم.
وتأتي تصريحات بزشكيان لتعبّر عن رؤية تدعو إلى توسيع قاعدة المشاركة في إدارة الدولة والاستفادة من الكفاءات العلمية والتخصصية، باعتبار أن التنمية والاستقرار لا يتحققان فقط من خلال الأدوات الأمنية، بل أيضاً عبر بناء مؤسسات أكثر انفتاحاً وقدرة على استيعاب مختلف الخبرات والآراء.
وبين الرئيس الإيراني أن حل مشكلات البلاد ليس ممكنا من الهامش والمشاهدة، وقال "لا ينبغي أن نبقى في موقع المتفرج وخارج الميدان. حل المشكلات يتطلب التواجد في الميدان، وقبول المسؤولية، والعمل. أنا قبلت هذه المسؤولية ليس من أجل منصب أو مكانة، بل من أجل خدمة الناس وحل مشكلاتهم. اليوم، وبعد أن وقع العبء الثقيل على أكتافنا جميعا، يجب حشد جميع قدرات البلاد لتجاوز الصعوبات".
جاء هذا الموقف تزامنا مع مناقشة أحدث تقرير حول وضع التعليم العالي في البلاد، وفي ظل ضغوط وتحديات سياسية واقتصادية وإقليمية حساسة للغاية تواجهها إيران.
بدوره، دعا رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف خلال كلمة بعد أداء اليمين لأعضاء هيئة الرئاسة الجديدة في مجلس الشورى (البرلمان)، إلى عدم تحويل الخلافات لصراعات وانقسامات. وقال "علينا الحفاظ على الوحدة لمواجهة محاولات تقسيم البلاد".
وجاء ذلك فيما تواصل أميركا وإيران المفاوضات من أجل التوصل لاتفاق ينهي الحرب التي بدأت في 28 فبراير/ شباط الماضي، وسط تأكيد مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أرسل مقترحاً أكثر صرامة إلى الجانب الإيراني، ما قد يطيل أمد المحادثات.
وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها إيران بعد الحرب، يبقى الجدل قائماً بين من يرى أن الظروف الاستثنائية تفرض تركيز القرار في أيدي عدد محدود من المسؤولين لضمان سرعة الاستجابة للتحديات، وبين من يعتبر أن تجاوز الأزمات يتطلب توسيع دائرة صنع القرار وإشراك شرائح أوسع من النخب السياسية والعلمية والإدارية في رسم مستقبل البلاد