صراع الدواء في تونس.. تجميد أموال الصيدليات يهدد سلاسل الإمداد

صراع الدواء في تونس.. تجميد أموال الصيدليات يهدد سلاسل الإمداد

تحوّل الخلاف بين الصيدليات الخاصة والصندوق الوطني للتأمين على المرض في تونس إلى مواجهة مفتوحة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، إثر دخول قرار تعليق العمل بمنظومة «الطرف الدافع» حيز التنفيذ مطلع نوفمبر الجاري. 

وردّ الوزير عصام الأحمر على ذلك بقرار يقضي بإيقاف صرف مستحقات الصيدليات إلى حين استئنافها العمل بالمنظومة.

وبينما يتمسّك الصيادلة بأن خطوتهم جاءت نتيجة حتمية لتراكم المستحقات المالية وتنصّل الصندوق من التزاماته، ترى الوزارة أن مواصلة تعطيل المنظومة لا يمكن أن تتزامن مع الإفراج عن الأموال المرتبطة بها. 

من خلاف مالي وتعاقدي إلى مواجهة سياسية

وبذلك، انتقلت الأزمة من مجرد خلاف مالي وتعاقدي إلى مواجهة سياسية ومهنية عاصفة، تثير هواجس جدية بشأن استقرار قطاع الدواء وحق المرضى في العلاج.

ولم تعد التداعيات، وفق تحذيرات المجلس الوطني لهيئة الصيادلة، مقتصرة على العلاقة الثنائية بين الصندوق والصيدليات، بل باتت تهدد المنظومة الدوائية برمتها؛ بدءاً بالتوزيع بالجملة وصولاً إلى الصناعة الصيدلانية، والانعكاسات المباشرة على وفرة الأدوية، وانتظام التزود بها. 

ويعكس هذا التصعيد أزمة أعمق تتجاوز آجال صرف الأموال، لتلامس الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها منظومة التأمين على المرض، لا سيما فيما يتعلق بآليات تمويل العلاقة بين الصندوق والصيدليات الخاصة.

وتقوم منظومة «الطرف الدافع» جوهرياً على تمكين المريض المنخرط في الصندوق من اقتناء أدويته دون دفع ثمنها كاملاً مسبقاً، حيث تتولّى الصيدلية تأمين الدواء بانتظار استرجاع مستحقاتها، لاحقاً، وفق الإجراءات والآجال التعاقدية.

ويعني تعليق هذه الآلية إلقاء عبء مالي ثقيل مباشرة على كاهل المواطن، الذي سيُضطر لدفع ثمن الأدوية كاملاً ثم خوض مسار استرجاع المصاريف لاحقاً.

وتكمن المعضلة الكبرى في هذه المنظومة في أن الصيدليات تجد نفسها مجبرة على تمويل جزء من كلفة الأدوية من مواردها الخاصة طوال فترة انتظار التحويلات.

حلقة تمويل غير مباشرة
ومع تفاقم تأخر الديون، تتحول الصيدليات تدريجياً إلى «حلقة تمويل غير مباشرة»، رغم افتقارها للسيولة اللازمة لتحمل هذه الأعباء لفترات طويلة. 

في هذا السياق، كشف الكاتب العام المساعد لنقابة الصيادلة، أيمن الخليفي، في تصريحات إعلامية، أن نحو 300 صيدلية من أصل 2500 صيدلية خاصة في البلاد تعاني من صعوبات حرجة مع موزعي الأدوية بالجملة، جراء شح السيولة الناتج عن تأخر مستحقات الصندوق.

 وتبرز هذه الأرقام كيف امتدت الأزمة من الحسابات الداخلية للصيدليات لتطال شبكة مزوديها، مما يحد من قدرتها على تسديد الفواتير، وإعادة تكوين مخزونها، وصولاً إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين والقطاع المصرفي.

ولا تقف جذور الأزمة عند تأخر صرف المستحقات فحسب، إذ تشير نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة إلى حزمة من التحديات المتداخلة، تشمل ارتفاع الأعباء الجبائية، والمشكلات المهنية والتنظيمية، وضعف تطبيق بعض التشريعات الناظمة للقطاع، فضلاً عن غياب التأطير الكافي للأنشطة غير المقننة.

كما يؤكد تجدد التهديد بتعليق العمل بمنظومة «الطرف الدافع» طيلة هذا العام أن الأزمة وليدة مسار طويل وليست وليدة اللحظة، ففي يوليو الماضي، لوّحت الصيدليات بالخطوة ذاتها إن لم يسوِّ الصندوق وضعيته المالية، لتتجدد المواجهة أواخر أكتوبر، وتنتهي هذه المرة بوقف فعلي للخدمة مطلع نوفمبر. 

وبدلاً من احتواء الأزمة عبر طاولة التفاوض وإيجاد تسوية تضمن استمرارية المرفق الصحي، دخل الخلاف منعطفاً حاداً عقب تصريحات وزير الشؤون الاجتماعية أمام لجنة الصحة بمجلس نواب الشعب، حيث أعلن إيقاف صرف المستحقات مشترطاً استئناف العمل بالمنظومة أولاً، موضحاً أنه أصدر قراره قبل ساعات معدودة من موعد التحويلات المبرمجة يوم الثلاثاء 3 نوفمبر.

وبهذا التوجه، جعلت الوزارة استئناف الخدمة شرطاً مسبقاً للتسوية المالية. وفي المقابل يرى الصيادلة أن الأموال بذمة الصندوق هي التزامات تعاقدية سابقة لا يجوز توظيفها كأداة ضغط لفرض التراجع عن قراراتهم.

وأدى تصريح الوزير إلى صبّ الزيت على النار، واعتبره القطاع تصعيداً غير مبرر بدلاً من أن يكون مدخلاً للحل.  

وعلى خطى الأزمة، دخل المجلس الوطني لهيئة الصيادلة مستنكراً هذه التصريحات، ومحذراً، في بيان رسمي، من أن تكريس القرار سيفاقم الأزمة، ويوسع رقعة تداعياتها.

وشدد المجلس على أن مستحقات الصيادلة ليست «ورقة مساومة»، بل هي حقوق مالية واجبة الأداء بالتوازي مع السعي إلى حلول جذرية لأسباب الأزمة. 

التحذير من استمرار النزيف المالي 
ودعا المجلس الوزير إلى تحمل مسؤولياته، وتغليب منطق الحوار والتوافق، محذراً من أن استمرار النزيف المالي يهدد ديمومة المؤسسات الصحية، ومواطن الشغل، والأمن الدوائي للبلاد ككل.

وتضع هذه المواجهة على الطاولة مجدداً الأسئلة الكبرى حول استدامة منظومة التأمين على المرض في تونس، ومدى قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته تجاه كافة الفاعلين الصحيين في ظل ضغوط تكاليف العلاج، وتآكل موارده المالية.
 

صراع الدواء في تونس.. تجميد أموال الصيدليات يهدد سلاسل الإمداد الخبر السابق

صراع الدواء في تونس.. تجميد أموال الصيدليات يهدد سلاسل الإمداد

هل تقود خسارة ترامب في الكونغرس إلى إضعاف نتنياهو وفتح الباب أمام رحيله؟ الخبر التالي

هل تقود خسارة ترامب في الكونغرس إلى إضعاف نتنياهو وفتح الباب أمام رحيله؟